ابن يعقوب المغربي
659
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ " 1 " فإن الدعاء إلى الخير أعم من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وفيه شيء فإن الجملة في معنى النكرة ، فغاية ما يتحقق منها مطلق الدعاء إلى الخير وأيضا الدعاء إلى الخير محصور في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . فأين العموم إلا أن يكون باعتبار كل منهما على الانفراد ، وهو خلاف ظاهر كلامه فليتأمل . الوجه الثالث : التكرير لنكتة ( وإما بالتكرير ) أي : الإطناب إما بالإيضاح بعد الإبهام وإما بكذا وإما بتكرار المذكور ( لنكتة ) وإنما قال لنكتة ؛ لأن التكرار متى كان لغير نكتة كان تطويلا ، فلظهور التطويل في عدم النكتة في التكرار نبه عليها فيه ؛ فالإيضاح بعد الإبهام وذكر الخاص بعد العام ، لا بد في كل منهما من نكتة ، ثم مثل للنكتة الموجودة في التكرار بقوله ( كتأكيد الإنذار في ) قوله تعالى : ( كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) " 2 " فكلا للردع والزجر ، وهي هنا للردع والزجر عن الانهماك في الدنيا وللتنبيه على الخطأ في الشغل بها عن الآخرة وقوله : سَوْفَ تَعْلَمُونَ إنذار وتخويف أي : ستعلمون ما أنتم عليه من الخطأ إذا عاينتم ما أمامكم من لقاء اللّه تعالى ، وأهوال المحشر . وتكراره بالعطف إنما هو لتأكيد هذا الإنذار المناسب لتأكيده ، إذ لعل الانزجار والشغل بالآخرة الدائمة يقع به قبل الفوات . ( وفي ) العطف ب ( ثم دلالة على أن الإنذار الثاني ) الذي اعتبره المتكلم أوكد ، وهو في رعايته وقصده ( أبلغ ) كما يقول القائل : أقول لك لا تفعل ثم تتقوى قريحته على النهى بأبلغ من الأول فيقول : ثم أقول لك لا تفعل ، وبيان ذلك أن أصل ثم إفادة التراخي ، والبعد الزماني وقد استعير للتراخى ، والبعد المعنوي . بمعنى أن المعطوف قد تكون مرتبته أعلى أو أدنى مما قبله ، فتستعمل فيه تنزيلا للتفاوت في الرتبة منزلة التفاوت في الزمان ، كما تقول في الأول مثلا أحب زيدا ثم أحب عمرا تعنى بما هو
--> ( 1 ) آل عمران : 104 . ( 2 ) التكاثر : 3 ، 4 .